الخطيب الشربيني

467

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

وَمَهِّلْهُمْ أي : اتركهم برفق وتأنّ وتدريج ولا تهتم بشأنهم . وقوله تعالى : قَلِيلًا نعت لمصدر ، أي : تمهيلا قليلا أو لظرف زمان محذوف أي زمانا قليلا فقتلوا بعد يسير ببدر . وقوله تعالى : إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا جمع نكل بالكسر وهو القيد الثقيل الذي لا ينفك أبدا وقال الكلبي : أغلالا من حديد وَجَحِيماً أي : نارا حامية جدّا شديدة الاتقاد مما كانوا يتقيدون به من تبريد الشراب والتنعم برقيق اللباس وتكلف أنواع الراحة . وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ أي : يغص به في الحلق وهو الزقوم أو الضريع أو الغسلين أو الشوك من نار لا يخرج ولا ينزل وَعَذاباً أَلِيماً أي : مؤلما . ومعنى الآية : أنّ لدينا في الآخرة ما يضادّ تنعمهم في الدنيا وهي هذه الأمور الأربعة : النكال والجحيم والطعام الذي يغص به والعذاب الأليم ، والمراد به سائر أنواع العذاب ، وروي أنه صلى اللّه عليه وسلم قرأ هذه الآية فصعق . وعن الحسن أنه أمسى صائما فأتي بطعام فعرضت له هذه الآية ، فقال : ارفعه ووضع عنده الليلة الثانية فعرضت له فقال : ارفعه ، وكذلك الليلة الثالثة فأخبر ثابت البناني ويزيد الضبي ويحيى البكاء فجاؤوا فلم يزالوا به حتى شرب شربة من سويق . وقوله تعالى : يَوْمَ تَرْجُفُ منصوب بالاستقرار المتعلق به لدينا والرجفة الزلزلة والزعزعة الشديدة فتزلزل الْأَرْضُ أي : كلها وَالْجِبالُ أي : التي هي أشدّها وَكانَتِ أي : وتكون الْجِبالُ التي هي مراسي الأرض وأوتادها وعبر عن شدّة الاختلاط والتلاشي بالتوحيد ، فقال تعالى : كَثِيباً أي : رملا مجتمعا ، من كثب الشيء إذا جمعه ، كأنه فعيل بمعنى مفعول في أصله ، ومنه الكثبة من اللبن مَهِيلًا قال ابن عباس : رملا سائلا يتناثر . وقال الكلبي : هو الذي إذا أخذت منه شيئا تبعك ما بعده . قال القرطبي : وأصله مهيول وهو مفعول من قولك هلت عليه التراب أهيله إهالة وهيلا إذا صببته ، يقال : مهيل ومهيول ، ومكيل ومكيول ومعين ومعيون . قال الشاعر « 1 » : قد كان قومك يحسبونك سيدا * وأخال أنك سيد معيون وقال عليه الصلاة والسلام حين شكوا إليه الجدوبة : « أتكيلون أم تهيلون » ؟ قالوا : نهيل . قال : « كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه » « 2 » . وأصل مهيل مهيول استثقلت الضمة على الياء فنقلت إلى الهاء فالتقى ساكنان ، فسيبويه وأتباعه حذفوا الواو ، وكانت أولى بالحذف لأنها زائدة ، وإن كانت القاعدة أنّ ما يحذف لالتقاء الساكنين الأوّل ، ثم كسروا الهاء لتصح الياء ، ووزنه حينئذ مفعل ، والكسائي ومن تبعه حذفوا الياء لأنّ القاعدة حذف الأوّل كما مرّ . ولما خوّف تعالى المكذبين أولي النعمة بأهوال يوم القيامة خوّفهم بعد ذلك بأهوال الدنيا فقال تعالى : إِنَّا أي : بما لنا من العظمة أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ يا أهل مكة شرفا لكم خاصة وإلى كل من بلغته الدعوة عامّة رَسُولًا أي : عظيما جدّا ، وهو محمد صلى اللّه عليه وسلم خاتم النبيين وإمامهم وأجلهم

--> ( 1 ) البيت من الكامل ، وتقدم مع تخريجه . ( 2 ) أخرجه البخاري في البيوع حديث 2128 ، وابن ماجة في التجارات حديث 2231 .